فخر الدين الرازي

108

تفسير الرازي

أن الخبر دل على أنه متى كان الصلاح في نقض الأيمان جاز نقضها . ثم قال : * ( وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ) * هذه واو الحال ، أي لا تنقضوها وقد جعلتم الله كفيلاً عليكم بالوفاء ، وذلك أن من حلف بالله تعالى فكأنه قد جعل الله كفيلاً بالوفاء بسبب ذلك الحلف . ثم قال : * ( إن الله يعلم ما تفعلون ) * وفيه ترغيب وترهيب ، والمراد فيجازيكم على ما تفعلون إن خيراً فخير وإن شراً فشر . ثم إنه تعالى أكد وجوب الوفاء ، وتحريم النقض وقال : * ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في المشبه به قولان : القول الأول : أنها امرأة من قريش يقال لها رايطة ، وقيل ريطة ، وقيل تلقب جعراء وكانت حمقاء تغزل الغزل هي وجواريها فإذا غزلت وأبرمت أمرتهن فنقضن ما غزلن . والقول الثاني : أن المراد بالمثل الوصف دون التعين ، لأن القصد بالأمثال صرف المكلف عنه إذا كان قبيحاً ، والدعاء إليه إذا كان حسناً ، وذلك يتم به من دون التعيين . المسألة الثانية : قوله : * ( من بعد قوة ) * أي من به قوة الغزل بإبرامها وفتلها . المسألة الثالثة : قوله : * ( أنكاثاً ) * قال الأزهري : واحدها : نكث وهو الغزل من الصوف والشعر يبرم وينسج فإذا أحكمت النسيجة قطعتها ونكثت خيوطها المبرمة ونفشت تلك الخيوط وخلطت بالصوف ثم غزلت ثانية ، والنكث المصدر ، ومنه يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه . المسألة الرابعة : في انتصاب قوله : * ( أنكاثاً ) * وجوه : الأول : قال الزجاج : أنكاثاً منصوب لأنه بمعنى المصدر لأن معنى نكثت نقضت ومعنى نقضت نكثت ، وهذا غلط منه ، لأن الأنكاث جمع نكث وهو اسم لا مصدر فكيف يكون قوله : * ( أنكاثاً ) * بمعنى المصدر ؟ الثاني : قال الواحدي : أنكاثاً مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء على معنى جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا قوله : نقضت غزلها أنكاثاً أي جعلت غزلها أنكاثاً . الثالث : إن قوله : * ( أنكاثاً ) * حال مؤكدة . المسألة الخامسة : قال ابن قتيبة : هذه الآية متصلة بما قبلها ، والتقدير : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل المرأة التي غزلت غزلاً وأحكمته فلما استحكم نقضته فجعلته أنكاثاً . ثم قال تعالى : * ( تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ) * قال الواحدي : الدخل والدغل الغش والخيانة . قال الزجاج : كل ما دخله عيب قيل هو مدخول وفيه دخل ، وقال غيره : الدخل ما أدخل في الشيء على فساد .